البنات في بيت النبوة

مع الانفتاح العالمي وكثرة التحديات وانتشار التقنيات وغياب القدوات وانتشار التفاهات وتصدير الفارغين والفارغات تحتاج البنات اليوم إلى قدوات صالحة ونماذج يقتدى بها

فريق بانيات
فريق بانيات 6 مشاهدات 6 دقيقة للقراءة

مع الانفتاح العالمي وكثرة التحديات وانتشار التقنيات وغياب القدوات وانتشار التفاهات وتصدير الفارغين والفارغات تحتاج البنات اليوم إلى قدوات صالحة ونماذج يقتدى بها وتسير على منهجها، ولا شك أن غرس القيم والمفاهيم والمبادئ منبعه من الأسرة،

وبيت النبوة هو النموذج الأعلى والقدوة الأسمى، وقد كان للبنت مكانة عالية في بيت النبوة، فالإسلام كرَّم البنت وأعزَّها ورفع شأنها وذمَّ إهانتها واحتقارها إذ هو من أفعال الجاهلية، بل أوصى بها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعظم حشد اجتمع فيه المؤمنون في حياته في خطبة الوداع: (استوصوا بالنساء خيرا)1، وقد راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم طبيعتها وحفظ كرامتها، فقد كان يقول لابنته فاطمة رضي الله عنها أمام الناس ترسيخا لهذا المبدأ: (فاطمة بضعة مني)2، ويثني عليها ويرفع منزلتها ويقول: (يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)3، بل كان من شدة محبته لها يشاركها المشاعر الوجدانية يفرح لفرحها ويغضب لغضبها فقد قال في حقها: (فمن أغضبها أغضبني)4، وفي رواية: (ويؤذيني ما آذاها)5.

وصيّة النبي ـ ﷺ ـ للبنات

وأعظم ما ينبغي أن يربي المربي أبنائه وبناته عليه هو توحيد الله عزوجل وتعظيمه والتعلق به والالتجاء إليه وكثرة ذكره والثناء عليه وإظهار الضعف بين يديه، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ابنته رضي الله عنها بوصية عظيمة فقال: (ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)6، فانظر إلى هذا الذكر العظيم الذي فيه التوسل بأسمائه وصفاته، ولم يكن هذا الدعاء من الأدعية العابرة بل كان دعاء ثابتا تقوله في صباح ومساء كل يوم تذكيرا للنفس وتعويدا لها على التعلق بالله عزوجل دائما وأبدا.

وحياة البنت معرضة لأحوال كثيرة من فرح وسرور وحزن وكدر وتعب ونصب، وقد وصَّى النبي صلى عليه وسلم ابنته فاطمة بالتسبيح والتحميد والتكبير عند النوم لتتعلق النفوس به سبحانه في كل حين، وتستعين على أمور دنياها ومصاعب حياتها بهذا الذكر العظيم، فقد جاءت فاطمة رضي الله عنها لأبيها تشكي ما تلقى في يدها من الرحى، وتسأله خادما فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فلما جاء أخبرته، قالت: فجاءنا وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكما على ما هو ‌خير لكما من ‌خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما، أو أخذتما مضاجعكما، فكبرا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، فهذا ‌خير لكما من ‌خادم)7.

رحمة النبي ــ ﷺ ـ بالبنات

ومن مواقفه العظيمة التي تدل على رحمته بالبنات الصغيرات والاهتمام بهن أنه صلَّى بالناس وهو حامل أمامة ابنة ابنته زينب رضي الله عنها8، وقد كان عليه السلام يداعب البنات الصغار ولا يستنكف من ذلك، بل كان يهدي لهم الهدايا أمام الناس تشجيعا وتقديرا، فقد جاء في قصة أم خالد بنت خالد قالت: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال: (من ترون ‌نكسو هذه؟) فسكت القوم، قال: (ائتوني بأم خالد)، فأُتي بها تحمل، فأخذ الخميصة بيده فألبسها وقال: ‌(أبلي وأخلقي)، ثم قال: (يا أم خالد، هذا سناه)، وسناه بالحبشية حسن9، وكان يلاعب زينب بنت أم سلمة رضي الله عنها ويصغِّر اسمها تملحا ويقول: (يا زوينب يا زوينب مرارا)10.

لُطف النبي ـ ﷺ ـ بالبنات

وكان يتحدث إلى بناته ويسر إليهن بالحديث أحيانا، وقد أسرَّ إلى ابنته فاطمة رضي الله عنها حديثا فبكت ثم سَارَّها فَضحكت، وخلق الرحمة والرأفة خلق ظاهر في تعامله فقد أولى اهتمامه بهن وشفقته عليهن واعطاءهن حقهن، نرى ذلك فيه حين قال عليه الصلاة والسلام: (رُويدك يا أنجشة، لا تكسر القوارير)11، ومشاعر البنت رقيقة مرهفة فلا ينبغي إهمالها فما أكرمها إلا كريم ولا أهانها إلا لئيم، لذا نجد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العناية والتقدير ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة كما قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)12.

فعلى المربين غرس الإيمان بالله عزوجل والتعلق به وكذا محبته سبحانه ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعظيم شعائر الدين، والاقتداء بالصحابيات، وتعزيز روح الانتماء إلى الدين وجعل الدين يتمثل في تعاملها وأخلاقها، وكذلك لابد من ربط الأجيال بالقدوات الحسنة، والتحذير من الدعايات المزيفة، واعداد البنات وتنشأتهم نشأة صالحة، وكذلك لابد من الاحتواء التربوي والدعم المادي والمعنوي، ومساعدتهم في انتقاء الصحبة الصالحة وإكرامهن والوفاء لهن، فقد تنوع الخطاب الشرعي لبناء شخصية البنت في شتى الجوانب العلمية والعملية والتربوية.


1. أخرجه البخاري (5186)، ومسلم (1468).
2. أخرجه البخاري (3714)، ومسلم (2449).
3. أخرجه البخاري (6285)، ومسلم (2450).
4. أخرجه البخاري (3714).
5. أخرجه البخاري (5230)، ومسلم (2449).

6. أخرجه النسائي في السنن الكبرى (10330)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (5820).
7. أخرجه البخاري (6318).
8. أخرجه البخاري (516)، ومسلم (543).
9. أخرجه البخاري (5823).
10. أخرجه المقدسي في الأحاديث المختارة (1733)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2141).

 11. أخرجه البخاري (6211).
12. أخرجه الترمذي (4233)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (285).

أ. أسماء الشمالي

متخصصة في السنة النبوية، ومهتمة بالتربية

الوسوم:
شارك هذه المادة
ترك التعليق