كيف يمنحنا الوحي بصيرة تربوية أعمق

فريق بانيات
فريق بانيات 3 مشاهدات 16 دقيقة للقراءة
كيف يمنحنا الوحي بصيرة تربوية أعمق

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وعليه نتوكل جل في علاه

كيف يمنحنا الوحي بصيرة تربوية أعمق؟

الوحي من كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد نصوصٍ نتعبد بتلاوتها، ولا أذكارًا نأنس بها فتطمئن بها قلوبنا، ولا قصصًا وسيرًا نرويها لبناتنا في هدأة الليل لينمنّ بهدوء؛ بل هو مرجعيةٌ متكاملة تعيد بناء تصوراتنا، وترتيب أولوياتنا، وتضبط فهمنا لأنفسنا، ولعلاقتنا بالله تعالى، ولموقع الدنيا في حياتنا. ومن هنا فإن الوحي يعيد تعريف ما كنّا نظنّه بدهيًّا، ويكشف لنا أن كثيرًا مما كنا نظنه محسومًا في وعينا، لم يُحسم في حقيقته كما ينبغي. فالمواقف العملية ومحطات الاختبار المختلفة في الدنيا، تكشف لنا إن هذه التصورات والأولويات والتعريفات، لم تُبنَ في داخلنا البناء الصحيح؛ إذ نجد أنفسنا في كثير من الأحيان نتساءل: أمعرفتنا لما نحمله من مفاهيم وتصورات صحيحةٌ حقًا، أم ناقصة، أم مشوّهة؟

فلو بدأنا بتعريف أنفسنا كمربيات، ثم ثنّينا بتعريفنا لبناتنا، وبتعريفهنّ لأنفسهنّ، لوجدنا أننا نفتقد غالبًا الأساس الأهم في هذا التعريف؛ وهو أساس العبودية لله تبارك وتعالى. فنحن في العملية التربوية، لسنا -في أصل هويتنا- “أمهات”! بل نحن عبادٌ لله تعالى نقف الآن على ثغر الأمومة. وإعادة التعريف هذه تغيّر جذريًا تعاملنا في المواقف التربوية، وفي تحمّلنا للصعاب التي تواجهنا، كما تغيّر أسس تربيتنا لبناتنا؛ فسعينا في التربية تحت عباءة الأمومة وحدها، يختلف تمامًا عن تعاملنا فيها ضمن فهمنا لها تكليفًا تعبديًا؛ فاستحضار أن هذا الدور تكليف من الله تعالى في حقيقته، قبل أن يكون مجرد علاقة إنسانية، يجعل ردود الأفعال تختلف، وتُعاد صياغة التوقعات بناءً عليه، وبالتالي تتغيّر النتائج تلقائيًا؛ لأن زاوية الرؤية تحوّلت من هوية اجتماعية إنسانية عاطفية إلى هويةٍ تعبديةٍ سنحاسب عليها ونُسأل عنها أمام الله تعالى.

وذات الشيء يقال عن بناتنا؛ فسيختلف الحال كثيرًا حين يرين أنفسهنّ في مقام البنوة فقط، مقارنةً بما لو نظرن إلى أنفسهنّ ونظرنّ نحن لهنّ، ضمن حقيقة أنهنّ من عباد الله المؤمنين، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133] ، فالآية الكريمة تُظهر أن ما كان يهمّ يعقوب عليه السلام في لحظة الموت لم يكن تفاصيل الحياة ولا شؤون الدنيا، بل كان الإرث الذي يريد أن يبقيه لأولاده، ووصيّته لهم؛ وهو إرثٌ عقديٌّ إيمانيٌ قبل أن يكون إرثًا اجتماعيًا، وهذا يضع معيارًا مختلفًا لأولويات التربية: ماذا يعبدون من بعده، وكيف يعرّفون أنفسهم بناء على ذلك.

فالذي يُطلب منّا ونحن على ثغر أمومتنا أن نُعين بناتنا على طاعة الله تعالى، وتحقيق مهمة العبادة، وأن نأمرهنّ بالمعروف وننهاهنّ عن المنكر ونعينهنّ في إصلاح شأنهنّ بناء على هذا الأساس. وهنا نتحرر من ثقل فكرة أنّ بناتنا يجب ألا يفعلن كذا وكذا لأنهنّ بناتنا! أو لأن ذلك يؤثر على صورتنا أمام أنفسنا والناس، إلى فكرة أنهنّ يجب أن يفعلن الصواب لأنهنّ -ببساطة- عباد لله تعالى، ونحن مأمورات برعايتهنّ وإعانتهنّ على تحقيق هذه العبودية، تطبيقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء في البخاري: ” كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا“.

وكذلك الحال في نظرة بناتنا لأنفسهنّ؛ ففي أحيان كثيرة قد تقاوم البنات الصواب نكايةً بتعليماتنا نحن الأمهات وأوامرنا فحسب، لا لأنهنّ لا يرينه صحيحًا! ولكن لأنهنّ يردن التخلّص من وطأة الإلزام البشري تجاهنا، غير أنّ هذا يتبدل حين يردّ الأمر إلى أساسه: أنهنّ يتعاملنّ مع الله تعالى أولًا وآخرًا، وبناءً عليه يجب أن يفعلنّ الصواب تعبدّا له سبحانه. ففي تربية متبصّرة بالوحي يكون تعريفهنّ لأنفسهنّ أنهنّ إماء لله تعالى، يأتمرن بأمره وينتهين بنهيه، ويكون جزءٌ مهم من طاعتهنّ لله جل في علاه؛ أن يأنسن بنا، ويحسنّ إلينا، ويتقبّلن نصحنا، وحينها سيختلف الحال كثيرًا في صلتهنّ بالله تبارك وتعالى، وفي علاقتهنّ بأنفسهنّ، وبنا كذلك.

وإعادة التعريفات هذه بالعبودية لله تعالى، تدفعنا -أمهات وبنات- إلى التأكد من مسألة أساسية مركزية في حياتنا كعبادٍ لله تعالى، وهي معرفتنا بالله عز وجل، فكثير من المشكلات التربوية، والنفسية، والإيمانية التي يمرّ بها الإنسان إنما تنبع أساسًا من نقص جوهريٍّ في معرفته بالله تبارك وتعالى. وهذا نراه واقعًا في سقوط الناس في الابتلاءات المختلفة، وعدم قدرتهم على الفهم عن الله تعالى وأقداره.

بينما الإنسان لو عمل عملًا مقصودًا واعيًا على بناء معرفته بالله تبارك وتعالى من كتابه، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، -كما علّم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم-: ” كنَّا معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ فتيانٌ حزاورةٌ فتعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أن نتعلَّمَ القرآنَ ثمَّ تعلَّمنا القرآنَ فازددنا بِه إيمانًا” رواه ابن ماجه، لقادته هذه المعرفة بالله عز وجل، والإيمان به جلّ في علاه إلى محبته وتعظيمه، مما يقود تلقائيًا إلى طاعته، واتباع أمره، واجتناب نهيه.

فإذا أثمرت معرفة الله تعالى في نفس العبد الثمرة التي تليق بها، تكون كالحاجز المنيع أمام أهواء النفس ورغباتها؛ فتضبط هذه النفس بخشية الله تعالى، وأمام التعلق بالدنيا وزخرفها فتضبط بإن “ لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ” أخرجه الترمذي. وأمام خوف الآخرين، والبحث عن رضاهم، فتضبط بقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وأمام الخوف، والقلق، والتوتر الذي تدفع إليه الدنيا بأحداثها، فتأتي آيات الذكر والمعية لتربط على القلب، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد]: 28.

وبناء على ذلك ينبغي أن تتغيّر أولويات التربية، وأولويات المربيات، ليكون التعريف بالله تعالى وتقوية الصلة به سبحانه، الأولوية الأولى في التربية؛ لأنها إذا انضبطت، انضبطت بعدها سائر الأولويات الأخرى، وترتبت ترتيبًا صحيحًا ضمن معرفة الإنسان بربه، وتعريفه لنفسه عبدًا له.

وفي تعريف الدنيا وعلاقتنا بها، يفعل الوحي عجبًا في تحريرنا من التعلّق بها والخوف من نتائجها، إلى التعامل معها على أنها أداة ووسيلة تعين على الفلاح والنجاة في الآخرة؛ فالدنيا ليست غاية في ذاتها، ولا تهمنا الإنجازات فيها حقيقة إلا إذا سُجّلت لنا هناك في ميزان الحسنات والقبول، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20]، وهذا الفهم يحرّرنا نحن وبناتنا من خوف الفشل الدنيوي إلى سعة الرحمة الإلهية، التي تقبلنا في كل حين ما دمنا نحاول ونسعى ونتوب ونعود. فالوحي يُعين تربيتنا على أن تخرج من إصر المعايير الدنيوية في النجاح والفشل إلى سعة المعايير الأخروية في السعي والبركة والقبول، لصغير الأعمال وكبيرها إن كانت خالصة لله جلّ في علاه.

ومن الأسس العميقة التي يُبصّرنا بها الوحي في علاقتنا بالدنيا – والتي ينبغي أن ننقُلها تربيةً لبناتنا – أن الدنيا ليست دار تمتعٍ واستقرار، وإنما هي دار ابتلاءٍ وامتحان. فلا نتعامل مع أقدار الخير والشر إلا بهذا الفهم المتكامل؛ فلا نغرق في أحزانها حتى نظنّها نهاية المطاف، ولا نُسلم قلوبنا لأفراحها حتى نظنّها الغاية القصوى. فكل ما يمرّ بنا فيها – خيرًا كان أو شرًّا – إنما هو سؤال امتحان موجَّه إلينا، نُختبر في طريقة فهمه والتصرف فيه، وفي الجواب عنه أمام الله تعالى؛ لنفوز في مجمل الامتحان وننجو، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]

وبهذا الفهم تتجلّى الحرية الحقة في التربية للمربيات والمتربيات، من جهتين؛ من جهة التعلّق بالدنيا، والسعي المحموم لتلبية متطلباتها التي لا تنتهي، بل تتبدّل وتتغيّر في لهاثٍ دائم، وسباقٍ لا ينفكّ يفتك بنا للحاق به. ومن جهة مراقبة الآخرين، والالتزام بمعايير يضعونها وفق سياقات مختلفة، ويعتقد كثيرٌ منا أنه ينبغي لنا أن نلتزم بها لنُقبل منهم فيكون لنا مكان في عوالمهم، فيأتي الوحي ليحررنا من هذا اللهاث، ويعيدنا إلى ميزان أهدأ وأصدق.

كما أن الوحي – وهو يعمل على إعادة بناء بصيرتنا التربوية- يلفت انتباهنا دومًا إلى نقطة أساسية نغفل عنها؛ وهي أننا -ونحن نعمل مع بناتنا ونوجههنّ -، نركّز في كثير من الأحيان على أعراض المشكلة لا على جذورها. فنعمل جاهدين من أجل إيجاد حلٍّ لما نظنّه أنه المشكلة، بينما نحن في الحقيقة نعمل على معالجة أعراضها ومظاهرها فقط، بينما تبقى جذورها الحقيقية غائرة هناك، لا نلقي لها بالًا، ولا نفطن لوجودها؛ فتعود المشكلة للظهور مرة بعد أخرى، وبطرق مختلفة، قد تزداد صعوبة حلّها مع الأيام. غير أنّ الوحي يعلمنا، أن الحل دومًا يمكن في معالجة الجذور والعودة إلى أصل الموضوع والعمل عليه، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: 11]

وكمثال عمليٍّ على ذلك، بدل أن تسأل الأمهات: كيف نقنع بناتنا بارتداء الحجاب؟ عليهنّ أن يدركنّ أنّ مسألة عدم الالتزام بفرض الحجاب، أو الحاجة أصلًا إلى إقناع الفتيات به، إنما هو عَرَضٌ لمشكلة أعمق، تتعلّق بسوء الفهم عن الله تعالى. وحلّها يكون جذريًا بتعريف البنات بالله تعالى كما سبق وبيّنا؛ فهذا التعريف يقود حتمًا إلى المحبة والتعظيم، اللذين يعنيان تلقائيًا الطاعة والخضوع، فلا يعود السؤال كيف: أقنعنهنّ بالحجاب؟ بل يصبح كيف أقوي صلتهنّ بالله تبارك تعالى؟ وكيف أعينهنّ على تحقيق العبودية له سبحان؟، وهنا تتجلّى البصيرة التربوية التي يمنحها الوحي؛ إذ تنقلنا من معالجة الظاهر إلى إصلاح الأصل، ومن مطاردة النتائج إلى بناء المنطلقات.

والوحي -كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم- إذا أصبح المرجعية الأساسية للمربية في بناء بصيرتها التربوية، وصياغة منهج رعايتها لبناتها، مكّنها من قراءة الواقع قراءة متزنة واعية؛ لا تنخدع بزخرفه وزينته، ولا تنعزل عنه انعزالًا تامًا، فهي حين تعرض ما يستجدّ من أفكارٍ وقيمٍ وسلوكاتٍ على ميزان الوحي، تستحضر قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، فتجعل الردَّ إلى الوحي أصلًا حاكمًا على كلّ جديد، لا تابعًا له. وبهذا الميزان تفهم القضايا المعاصرة في ضوء مرجعيةٍ ثابتة، وتتبين القيم التي يُراد تمريرها إلى عقول الأجيال عبر الوسائط الرقمية ووسائل التواصل وتشابكات العلاقات الاجتماعية، فلا تنجرف خلف الأكثرية لمجرد كثرتها أو رغبة في تقليدها، كما قال تبارك تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116].

فالوحي يمنحنا ميزانّا دقيقًا في الحكم، يحمينا من الانبهار بالمظهر دون فهم الجوهر وأثره، ويملّكنا معيارًا نزن به الأفكار قبل تبنّيها، ونقوِّم به السلوك قبل الإقدام عليه، ونميّز به بين النافع والضار، والحق والباطل؛ معيارًا هو ثمرة الخوف من الله تعالى وتقواه. فعندما نربّي منطلقين من الوحي، معمقيّن الصلة بالله تعالى، نعين بناتنا -بحول الله وقوته- على السعي إلى مرتبة الإحسان، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم ((الإحْسَانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ)) رواه البخاري، وبذلك تنتقل التربية من ردود أفعالٍ منبهرة مقلدة، إلى قيادة واعية للنفس بنيت على الوحي وآياته.

فلسنا نريد لبناتنا أن يعشن في فقاعات حماية هشّة، ولا أن يُتركنّ لتيارات الواقع تجرفهنّ، وإنما نريد لهن قلوبًا يقِظة، وعقولًا متبصّرة، وقيمًا ثابتة يرجعن إليها عند التزاحم والاشتباه؛ فيقبلن ما وافق الحقّ المنطلق من الوحي، ويرفضن ما خالفه، ويتجاوزن ما لا وزن له. فالحماية الحقيقية التي نعطيها لبناتنا، ليست في حجب الواقع، بل في ترسيخ ميزانٍ داخليٍّ يحسن التعامل معه بثباتٍ وبصيرة. على أن ندرك أنه في أحوال كثيرة قد تكون العزلة عن بعض دوائر المجتمع ضرورية، كما تعلّمنا من فتية الكهف، وكلّ حالة تقدّر بقدرها ببصيرة مربية يكون الوحي لها نعم الهادي المرشد.

وبناءً على ما سبق، فإن الوحي يمنحنا القدرة على أن نحاكم تربيتنا، فنرى مواطن قوتها وضعفها، ونكتشف الثغرات التي تمرّ من خلالها مؤثرات أخرى فتؤثر علينا وعلى بناتنا، وتعيد توجيه بوصلتنا إلى اتجاهات قد تبدو مزيّنة، لكنها تبعدنا عن وجهتنا الأصلية. فمحاكمة تربيتنا وأسسها لا تكون عادلة ولا مجدية، إلا إذا كان ميزان الحكم عليها هو ميزان الوحي؛ إذ إن تقييمها لا يصلح أبدًا أن يكون مبنيًّا على تقلبات المجتمع، أو توقعات الناس، أو نظريات تُسمّى حديثة، وهي في حقيقتها لا تنطلق من مرجعيتنا ولا تعبّر عن هويتنا. فليست المشكلة في وجود هذه المؤثرات، بل في أن تتحول إلى ميزان نقيس به قراراتنا دون أن نشعر.

فالوحي لا يبني فيكِ المعايير التربوية فقط، بل يُبصّركِ بجوانب القصور، ونوافذ الخطأ، وحدود التأثير، وسلبياته وإيجابياته، فيعينك على أن تتوقفي في اللحظة المناسبة، وتعيدي ترتيب أولوياتك، وبناء أسسكِ، وتشكيل بصيرتك التربوية.

فالمسألة في جوهرها ليست اختلاف أساليب فحسب، بل اختلاف مرجعية ننطلق منها؛ فالوحي لا يعيد ترتيب أدواتك التربوية فقط، بل يعيد تعريفك أنتِ، ويعيد تعريف بناتك، ويعيد ضبط نظرتك للدنيا، ومعيارك للنجاح، وطريقتك في معالجة المشكلات والتعامل مع المواقف. إنه ينقل التربية من ضغط المواقف الوقتية، والسعي للنجاح الدنيوي إلى صدق العبودية لله تعالى، ومن مطاردة النتائج إلى بناء الجذور، ومن ميزان الناس إلى ميزان الله جلّ في علاه. وحين تستقيم المرجعية، تستقيم بعدها الأساليب، وتتضح الأولويات، وتتشكل البصيرة التربوية التي ترى ما وراء الظاهر، وتبني من الأصول لا من الأطراف.

فالبصيرة التي يمنحنا الوحي إياها ليست ترفًا معرفيًّا، بل ضرورةٌ تربويةٌ تحفظ الاتجاه. وحين يكون الوحي هو المرجعية، تبقى التربية طريقًا إلى الله تعالى، لا مجرد محاولةٍ للنجاح في الدنيا فحسب.

بقلم الدكتورة رنا حصوة

مدرِّبة وباحثة في التربية القيمية المنطلِقة من الوحي.

شارك هذه المادة
ترك التعليق