القيم القرآنية وبناء الإتزان النفسي عند اليافعات

فريق بانيات
فريق بانيات 12 مشاهدات 16 دقيقة للقراءة
القيم القرآنية وبناء الإتزان النفسي عند اليافعات

نعاني كثيرًا في تعاملنا مع بناتنا في المواقف التربوية المختلفة من نوع من التذبذب، سواء صدر منا نحن أو ظهر منهنّ؛ فقد نطلب في موقفٍ ما تصرّفًا معينًا، ثم نغيّر رأينا في موقفٍ آخر مشابه له في المضمون، أو قد يقع خلاف واضح بين الوالدين في كيفية التعامل مع الموقف نفسه، فتقع اليافعات في حيرة واضطراب. ويزداد الأمر صعوبة إن تكررت هذه المواقف المتناقضة في تفاصيل الحياة اليومية.

وفي المقابل، قد نكون ربّينا بناتنا على مبدأ وأساس محدد، وظننّا أنهنّ سيتصرفن بناءً عليه في المواقف المشابهة، ثم نفاجأ بسلوكهنّ في حضورنا، وبه أكثر في غيابنا، ونلحظ كذلك تغيّر تصرفاتهنّ بتغيّر أمزجتهنّ وأحوالهنّ المختلفة، بل قد ينتقل سلوك بعضهنّ أحيانًا من النقيض إلى النقيض، تأثرًا بتعليقات الصديقات، أو بما يرينه في شبكات التواصل الاجتماعي وما ينتشر فيها من ما يسمّى (بالترند)، فيزعزع ذلك ثبات سلوكهنّ وحسن تصرفهنّ في المواقف المختلفة.

وفي حالٍ أخرى، قد تكون الأسرة متفقة مع بناتها على الأسس العامة، وعلى المواقف الثابتة من أحوالٍ حياتيةٍ معينة، وعلى كيفية التصرف في المواقف، وما يُقبل وما يُرفض من السلوكات، لكن البنات حين يتفاعلن مع مجتمعات خارج الأسرة، كالمدرسة، أو الأقارب، أو المراكز التربوية والترفيهية التي يرتدنها، يجدنّ تناقضًا واضحًا بين ما تربّين عليه، وما يشاهدنه من تصرفات الناس خارج محيط الأسرة، فيقعن في حيرة وتساؤل: ما الصحيح؟ أهو ما تربّيت عليه في أسرتي، أم ما أراه عند الناس من حولي؟ وما يجرّه ذلك من مشاحنات وخلافات وتناقضات، سواء بين البنات وتلك المجتمعات، أو بينهنّ وبين الوالدين والأسرة، بسبب تأثرهنّ بما رأينه خارجها.

وهذا الاضطراب الظاهر في المواقف والتوجيهات من بناتنا ومنا لا ينشأ من فراغ، بل يكشف غالبًا عن اضطراب أعمق في الأسس التي ننطلق منها في الفكر والحكم والسلوك. وهذا يبيّن الحاجة الملحّة إلى أن نتوقف قليلًا مع الأسس التي نربّي عليها بناتنا، وكذلك مع الأسس التي يتعامل بها المجتمع من حولنا . وهذا التوقف غايته أن نتبيّن إجابات عن مجموعة من الأسئلة:

من أين تنطلق هذه الأسس والقواعد التي نتصرف بناءً عليها، سواء داخل الأسرة نفسها أو في المجتمع؟
ومن أين جاءت هذه الأسس؟ وهل المصدر الذي تنطلق منه هو مصدر صحيح ثابت وموثوق ؟
وما هو المصدر أو المصادر التي ينبغي أن تنطلق منها فعلًا أسسنا وقواعدنا التربوية؟
وهل يمكن أن يتفق الجميع، داخل الأسرة وخارجها، على هذه الأسس والقواعد، فتكون قواعد عامة حاكمة للمجتمع ككل؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي أولًا أن نتعرّف إلى تلك الأسس والقواعد التي تنطلق منها سلوكاتنا المختلفة، وهنا يبرز معنى القيم، فالقيم جمع قيمة، “وهي من الفعل قَوَم، فيقال: قام ويقوم قيامًا، فهو قائم وجمعه قيام، وأقام في المكان إقامة، والقيام للشيء هو مراعاة الشيء والحفظ له، كقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ ﴾ المائدة: 8، والقيام والقوام اسم لما يقوم به الشيء أي يثبت، كالعماد والسناد لما يعمد ويسند به”(1).

وقد وردت للقيم تعريفات متعددة في المراجع التربوية، ومنها -على سبيل المثال-: أنها “مجموعة من المعتقدات والتصورات المعرفية والوجدانية والسلوكية الراسخة، يختارها الإنسان بحرية بعد تفكر وتأمل، ويعتقد بها اعتقادًا جازمًا، تشكل لديه منظومة من المعايير يحكم بها على الأشياء بالحسن أو القبح، والقبول أو الرد، ويصدر عنها سلوك منتظم يتسم بالثبات والتكرار والاعتزاز”(2).

ومن هنا نلاحظ أنَّ للقيم صلةً وثيقةً بسلوك الإنسان؛ إذ تمثل الأسس والقواعد والمعايير التي تُوجِّه اختياراته وتحدِّد مساراته في شتّى مجالات الحياة، كما تُشكِّل طبيعة علاقاته بمن حوله في المجتمع في مختلف أنشطته، ومن خلالها تتكوَّن نظرته إلى نفسه وإلى مكانته في المجتمع، وكذلك نظرته إلى الآخرين وتقديره لمكانتهم فيه.

وإذا كانت القيم بهذه المنزلة في توجيه السلوك وبناء التصورات، فإن السؤال عن مصدرها يصبح سؤالًا مصيريًا لا يمكن تجاوزه؛ فإن من أعظم أسباب التصدّع في المجتمعات أن تُبنى هذه القيم -مع ما لها من أثر بالغ في توجيه الحياة- على غير الأصول الراسخة التي ينبغي أن يقوم عليها بناء الإنسان والمجتمع، وفي مقدمة هذه الأصول: العقيدة التي يؤمن بها الإنسان. والقيم كما وضحنا هي الأسس والأصول التي تتفرع عنها نظرته إلى الوجود، وإلى نفسه، وإلى غيره. فهي لا تقف عند كونها معاني ذهنية مجردة، بل هي الموازين التي يحتكم إليها الإنسان في مواقف الحياة المتنوعة، وهي الأسس المرجعية التي تصوغ أحكامه، وتوجّه اختياراته، وتؤثر في سلوكاته واستجاباته، وبناءً عليها يقرر ما يقبله وما يرده من الأقوال والأفعال.

ومن هذا المنطلق تتضح الإجابة عن الأسئلة التي بدأنا بها. ويتبيّن بذلك أن الحديث عن القيم ليس حديثًا عن جانبٍ هامشي في التربية، بل عن الأصل الذي تتشكل منه الرؤية، وتنبني عليه الأحكام، وتتوجّه به السلوكات؛ ولذلك كان من الضروري أن نتأمل في المصدر الذي تستمد منه هذه القيم مشروعيتها وتوجيهها في حياة الأفراد والمجتمعات. فالقيم لا يصح أن تكون رهينة أذواق البشر المتقلّبة، ولا أن تُبنى على معايير نسبية تختلف باختلاف البيئات والأهواء، وإنما ينبغي أن تستمد من المرجعية الأصيلة التي ينطلق منها المسلم في فهمه للحياة وتوجيهه للسلوك، وهي مرجعية الوحي المتمثلة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ. فالمسلم لا يطلب في اختياراته القيمية مجرد ما يوافق رغباته أو ما يستحسنه الناس من حوله، بل يتوجه ابتداءً إلى ما يرضي الله سبحانه، ويجعل الوحي الميزان الذي يزن به أفكاره ومواقفه وأعماله، فيأتمر بما أمر الله به، وينتهي عما نهى عنه.

ومن هنا فإن التزام القيم الإسلامية ليس جانبًا ثانويًا في شخصية المسلم، ولا أمرًا منفصلًا عن تدينه، بل هو مظهر أصيل من مظاهر عبوديته لله تعالى، وطريق من طرق فلاحه في الدنيا والآخرة. وبذلك تغدو القيم المنبثقة من الوحي مرجعًا حاكمًا في حياته، ومعيارًا ضابطًا لما يصدر عنه من مواقف وسلوكات في مختلف الأحوال.

وعليه، فإن الوقوف على القيم التي تحكم الإنسان لا يعين فقط على فهم سلوكه وتفسير تصرفاته، بل يفتح كذلك بابًا مهمًا لتقويم هذا السلوك وإصلاحه كلما انحرف عن الأطر التربوية السليمة. وإذا كانت المرجعية القيمية هي التي تضبط نظر الإنسان إلى نفسه والحياة والناس، فإن أثرها لا يقف عند حدود السلوك الظاهر، بل يمتد إلى بناء النفس من داخلها، وإلى تشكيل قدرها من الطمأنينة والثبات والاتزان. ومن هنا تبرز أهمية العناية بالقيم في بناء الاتزان النفسي لدى اليافعات؛ لأن هذا الاتزان لا ينشأ من التوجيه العابر، ولا من ضبط السلوك الظاهري وحده، وإنما يتكوّن حين تستقر في النفس مرجعية واضحة، ومعايير ثابتة، تضبط النظر إلى النفس والحياة والناس، وتمنح اليافعة قدرةً أرسخ على الفهم والاختيار والثبات في مختلف المواقف.

ويمكن استنباط أهم الأسس التي يقوم عليها الاتزان النفسي في ضوء الوحي من عدد من الآيات القرآنية المتعلقة بهذا المعنى؛ فالقرآن الكريم يبين في غير موضع أن الطمأنينة، وهي من أبرز أسس الاتزان النفسي، إنما تنبع من الصلة الوثيقة بالله تعالى، ومن كثرة ذكره، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وفي هذا دلالة على أن الاتزان الذي ينشده الإنسان لا يتأسس أولًا على استقرار الظروف الخارجية، وإنما يبدأ من الداخل، من القلب حين يستقر بالإيمان، ويتصل بخالقه، ويأنس بذكره؛ فقد تضطرب الأحداث من حول الإنسان، ويبقى قلبه ثابتًا مطمئنًا بالله تعالى.

ويشير القرآن كذلك إلى السكينة التي يثبت الله بها قلوب المؤمنين في مواطن الاضطراب والقلق ويضبط بها اتزانهم النفسي، ويبين أنها منحة ربانية يفيضها الله تبارك وتعالى على القلوب المؤمنة، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4]. فالاتزان النفسي في التصور القرآني ليس مجرد مهارة بشرية، بل هو ثمرة صلة إيمانية يمد الله بها عباده المؤمنين حين يصدق توجههم إليه.

كما يربي القرآن الكريم نفوس المؤمنين على تصور صحيح لأحداث الدنيا وتقلباتها، حين يرد الدنيا في نفوسهم إلى حقيقتها: دار ابتلاء لا دار قرار، ومتاع زائل لا بقاء له، كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23]. وهذا الفهم من أهم الأسس التي تحفظ على النفس توازنها؛ لأنه يضبط استجابتها عند الفقد والعطاء، ويمنعها من الانكسار المفرط عند الشدة، والاندفاع غير المنضبط عند النعمة.

ويتوج القرآن الكريم هذه الأسس للاتزان النفسي ببيان أثر الإيمان والعبادة في تهذيب النفس وضبط استجاباتها، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾ [المعارج: 19–22]. ففي هذه الآيات إشارة واضحة إلى أن النفس البشرية إذا تُركت لطبعها الإنساني المجرد مالت إلى الهلع والجزع عند الشدة، والمنع والشح عند الرخاء، فيختل توازنها في الأحوال المختلفة. ثم جاء الاستثناء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾، ليدل على أن الصلة بالله تعالى، والعبودية له سبحانه، ليست مجرد شعائر تؤدى بمعزل عن بناء النفس، بل هي من أعظم ما يهذبها، ويضبط انفعالاتها، ويعينها على الثبات والاستقرار والاتزان في تقلبات الحياة.

ومن هنا يمكننا تعريف الاتزان النفسي في ضوء الوحي بأنه حالٌ من الطمأنينة والسكينة الداخلية، تنشأ عن صلة القلب بالله تعالى، وتضبط استجابة الإنسان للشدائد والنعم، فلا يجزع عند البلاء، ولا يطغى عند الرخاء، بل يبقى أقدر على الثبات والاعتدال وحسن التصرف، مستندًا إلى الإيمان والعبودية لله تعالى والتصور الصحيح للحياة.

وبهذا يظهر أن الاتزان النفسي ليس حالة منفصلة عن البناء القيمي للإنسان، بل هو ثمرة من ثمراته؛ إذ إن الطمأنينة، والسكينة، وضبط الانفعال، وحسن الاستجابة لتقلبات الحياة، كلها معانٍ تتشكل في النفس من خلال ما يستقر فيها من قيم. وإذا كانت مرجعية المسلم في بناء قيمه هي الوحي، فإن القيم القرآنية تغدو أساسًا رئيسًا في بناء الاتزان النفسي وتوجيه مظاهره.

وتُعد مرحلة اليفاعة من أشد المراحل حاجةً إلى البناء القيمي؛ لأنها مرحلة تتشكل فيها الهوية، وتكون فيها النفس أكثر قابلية للتأثر، لعدم اكتمال استقرار البناء النفسي بعد. وفي هذه المرحلة تشتدّ كذلك رغبة اليافعة في نيل القبول الاجتماعي من محيطها، وتتزايد حساسيتها لما يرد إليها من أحكام ورسائل ومواقف، ومع كثرة ما تتعرض له اليافعات اليوم من مؤثرات خارجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومختلف تطبيقات الشبكة، تصبح النفس أكثر عرضة للهشاشة والاضطراب وضعف المناعة الداخلية إذا لم تستند إلى أصول راسخة تضبطها وتحميها. ومن هنا تبرز أهمية القيم المنطلقة من الوحي؛ إذ لا تقتصر وظيفتها على توجيه السلوك الظاهر، بل تمتد إلى بناء النفس من داخلها، وتقوية مرجعيتها، وتعزيز قدرتها على الثبات أمام المؤثرات المختلفة. وعلى هذا تتجلى صلة القيم القرآنية ببناء الاتزان النفسي عند اليافعات من جوانب متعددة، من أبرزها أنها تمنح اليافعة مرجعية ثابتة تفسر في ضوئها ما يمر بها من أحداث، وتضبط بها مشاعرها وردود أفعالها، وبالتالي توجّه بها سلوكاتها في المواقف الحياتية المختلفة.

ومن ثمّ، فإن التزام القيم القرآنية لا يُنظر إليه على أنه سلوك أخلاقي مجرّد فحسب، بل هو تعبد لله تعالى وامتثال لأمره، تقصد به اليافعة رضوان ربها تبارك وتعالى، وترجو بهذا الالتزام بالقيم صلاح دنياها وفوزها في آخرتها. ومن هنا تغدو هذه القيم قوةً موجهة تسهم في بناء اليافعة بناءً متوازنًا، فتتسق بسببها جوانبها النفسية والجسدية، وتنضبط الصلة بين حاجاتها الفردية وواجباتها وعلاقاتها الاجتماعية، في سبيل الوصول إلى نفس سوية، وشخصية متكاملة.

ومن القيم القرآنية التي تساعد بشكل مباشرٍ وغير مباشر في بناء نفوس اليافعات، والمحافظة على اتزانهن النفسي، تلك القيم الأساسية التي يمكننا استنباطها من سورة الفاتحة(3)، السورة الأعظم في كتاب الله تعالى: ومن أبرزها: قيمة المعرفة، والتي تتجلى في السعي إلى التعرف على الله تبارك وتعالى من كتابه، ومن ثم معرفة الإنسان بنفسه والآخرين من حوله وفق آيات ومعايير الوحي. فتنشأ اليافعة وتتحرك في دنياها ساعية إلى معرفة ما الذي يريده الله تبارك وتعالى منها، فتُفّعل هذه المعرفة في تمثل وتطبيق القيمة الثانية وهي قيمة العبادة، وهي من أجلّ القيم التي تعين الإنسان في ضبط سلوكه، وتحسين ردود أفعاله، فارى اليافعة نفسها تفعل ما تفعله في الحياة لأنها تُعرّف نفسها أنها أمة لله سبحانه أولًا وآخرًا، تسعى لرضاه وتبتغي ثوابه.

وهي في ذلك لا يستغني عن الاستعانة بربها، في تمثّل صريح لقيمة الاستعانة، وهس التي تضبط فهم اليافعة لنفسها، ومحدودية قدراتها وحاجتها إلى خالقها؛ فلا تسعى لكمال ينهكها، ولا تقعد عن العمل خوفًا من عدم تمامه، بل تتحرك في ديناها مستعينًا بربها سبحانه، طالبةً منه العون والتوفيق. ومن آثار ذلك ما يحققه لها من هدوء وسكينة يوازنان في نفس اليافعة بين الوسع والسعي، في تناغم يعينها على الثبات على طريق الهداية؛ لتكون من الذين أنعم الله عليهم، فتتزن نفسها للوصول إلى معاييرهؤلاء المنعم عليهم، مما يحررها من كثير من التجاذبات والتناقضات التي تسببها معايير بشرية لا تستقر في أغلبها على حال.

وهكذا تمضي القيم القرآنية في تشكيل نفوس اليافعات، كلما ارتبطنّ بكتاب الله تعالى، قراءة وتعلمًا وتدبرًا، وكلما سعين إلى الحياة في ضوئه، ووفق الأوامر التي وضعها الله تبارك وتعالى فيه، واجتنابًا لما نهى الله تعالى عنه. فتصلُح النفس؛ لأنها سعت إلى البناء والتوازن والسواء، مستمدة أسس ذلك من هذا الكتاب العزيز الذي رضيه الله لأمة الإسلام، وجعل فيه تمام النعمة والفضل، كما قال تبارك وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] .

وبذلك يتبيّن أن بناء الاتزان النفسي لدى اليافعات لا يتحقق من خلال التوجيهات السلوكية العابرة، ولا من خلال محاولات الضبط الظاهري وحدها، بل يقوم أساسًا على ترسيخ منظومة قيمية واضحة مستمدة من الوحي، تُشكِّل مرجعًا ثابتًا يوجّه الفهم، ويضبط المشاعر، ويقود السلوك في مختلف المواقف؛ وبقدر ما ترسخ هذه القيم في نفس اليافعة، يرسخ معها قدرها من الطمأنينة والثبات والاعتدال.

بقلم د. رنا حصوة

مدرِّبة وباحثة في التربية القيمية المنطلِقة من الوحي


1. الأصفهاني، الراغب، معجم مفردات ألفاظ القرآن، دار الفكر للنشر والتوزيع: بيروت، 2010م، ص 314.
2. الجلاد، ماجد، تعلم القيم وتعليمها، دار المسيرة: عمان، ص 33.
3. حصوة، رنا، القضاة، محمد، بناء الإنسان بقيم القرآن،2022، المطبعة المركزية، عمان.

شارك هذه المادة
ترك التعليق