لماذا تفشل التربية حين تُختزل في الأوامر

فريق بانيات
فريق بانيات 8 مشاهدات 18 دقيقة للقراءة
لماذا تفشل التربية حين تُختزل في الأوامر

نتساءل في أحيان كثيرة، لِمَ نفشل في التربية، مع أننا نعتقد أننا قد قمنا بما ينبغي علينا القيام به؟

لِم قد نتبعُ آخر ما وصل إلينا من توصيات مما يُسمّى بالنظريات التربوية الحديثة، ثم لا يؤتي عملنا أكله؟

أين الخطأ؟ وما الأفعال التي قد نفعلها فتُفضي إلى نتائج معاكسة لما نهدف إليه؟

وهل نريد تربية بلا أوامر البتة؟ أم أن هناك أسسًا للتربية الناجحة قد غفلنا عنها؟

ولو رأينا أنفسنا قد قد أخفقنا، فهل هذا الإخفاق مرحلي أم نهائي؟ وهل من عملٍ إصلاحي نستطيع أن نقوم به؟

هذه الأسئلة، هي ما يحاول هذا المقال الإجابة عنه، فنقول وبالله التوفيق.

بدايةً، إذا أردنا أن نفهم التربية فهمًا صحيحًا، فعلينا أن نعود إلى كتاب الله تعالى وإلى هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، لنرى أبرز القواعد التربوية التي يمكن أن نؤسس منهجنا التربوي عليها.

فلو تتبعنا آيات كتاب الله تعالى، سنلاحظ أن من أوائل الآيات في أول سورة الكتاب وأعظمها قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ الفاتحة 2، فبيّن الله تبارك وتعالى أنه ربَّ العالمين سبحانه، فهو ربهم ومربّيهم، ومتولي أمرهم وشأنهم كله. وقد بدأت هذه التربية لعباده بذكر إنعامه وتفضّله عليهم، مما يدفع القلوب اليقظة المؤمنة إلى حمده سبحانه الحمد التام المستغرق، ، ويقول عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسير هذه الآية: ” ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هو الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب، هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى”.

ومن هنا يظهر أن من أوائل أسس التربية القرآنية بناء الفهم عن المربّي جلّ في علاه، وضبط الصلة به سبحانه، قبل تحديد الأمر المباشر المطلوب من الإنسان والمتعلّق بالعبادة. وهذا يعطينا إشارة إلى أولى قواعد التربية وأهمها وهي: أن التربية تبدأ بالبناء؛ ببناء عميق قوي متين في نفس الإنسان، قائم على معرفة الله الخالق المدبّر سبحانه، والحمد لمنّته وتفضّله ورحمته على خلقه. وتستقر هذه المعرفة في النفس مع تكرار الآيات القرآنية التي تذكّر برحمة الله تعالى ومنّته وعظيم فضله على خلقه، فتنقاد النفوس من داخلها محبة وتعظيمًا له، ورغبة في الشكر على نعمه، والحمد على عظيم فضله، فتُقبل على الطاعة محبةً وشوقًا وشكرًا له سبحانه. ثم بعد ذلك تتوالى آيات الأوامر والنواهي، بعد تأسيس البناء الداخلي هذا في النفس الإنسانية، فيكون تنفيذ الأوامر وتجنب النواهي، نابعًا من محبة الآمر جلّ في علاه وتعظيمه، فيكون كتحصيل الحاصل.

وهذه القاعدة الأساسية، لو عملت عليها المربيات، لأسهمت كثيرًا في تخفيف أعباء التربية عليهنّ؛ فبناء أسس الطاعة للأوامر، على أن الآمر بالخير والناهي عن الشر إنما هو الله ابتداءً، وليس الوالدين أو المربّين، يغيّر نظرة المتربية إلى الأمر نفسه. فالبنات حين يطعن فهنّ في حقيقة الأمر، يطعن الله تبارك وتعالى أولًا، وحين يعصين فهنّ يعصين مالك الملك جلّ في علاه، وهذا يغير أسس التلقي الأوامر، وأسس الإنصياع لها.

فأنت تربين لأن الله أمركِ بذلك، وتبلّغين وتذكّرين بالطاعات التي أمر الله سبحانه بها ابتداءً، فإذا واجهتِ عدم الاستجابة، فإنك تعودين إلى التذكير بأن الأمر ليس متعلقًا بكِ أنتِ، وأن المعصية ليست لكِ، وإنما الطاعة لله، والمعصية لأوامره سبحانه. وأنتِ في ذلك مبلّغة ومذكّرة، كما كانت مهمة نبيك صلى الله عليه وسلم.وهذا المعنى يجعل المتربيات يتوقفن في كل مرة يهممن فيها بفعلٍ ما: هل هذا يرضي الله عز وجل أم يغضبه؟ وبذلك يخرج البشر من المعادلة، ويبقى الأمر متعلقًا بطاعة الله جل في علاه. فإذا تأسس هذا المعنى في النفوس، ارتقت التربية إلى مستوى آخر، يتجاوز الأوامر المباشرة المجردة، إلى مستوى البناء النفسي السوي المتوازن، الدافع لفعل الخير واجتناب غيره طاعة لله تعالى. وهنا يظهر سبب تعثر كثير من الممارسات التربوية التي تختزل التربية في الأوامر المباشرة؛ فالأمر المباشر قد يضبط السلوك في لحظته، لكنه لا يبني الدافع الداخلي الذي يدفع الإنسان إلى الطاعة في غياب من يأمره بها.

ولو رجعنا إلى معجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني باحثات عن جذر الفعل (ربَّ) لوجدنا قوله: ” الرَّبُّ في الأصل: التَّرْبِيَةُ، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حدِّ التمام” (١)، و من خلال هذا المعنى يظهر أن التربية الناجحة التي نبحث عنها تقوم على دعامات أساسية: أولها الإنشاء، بما يتضمنه من إنماء وتنمية وارتقاء، وهذا لا يقتصر على التوجيه والضبط، بل يتعلق ابتداءً بإنشاء البناء النفسي السوي في شخصية الأبناء، ثم العمل على تنميته وتعزيزه مرة بعد أخرى في المواقف الحياتية المختلفة.

أما الدعامة الثانية الذي يشير إليها المعنى اللغوي بقوله ” حالًا فحالًا” فهي التدرج؛ وهي تعني أن التربية ليست فعلًا عابرًا، بل هي عملية مستمرة دائمة بنائية متراكمة، تعمل على النفس في كل حين، وفي كل موقف، واستثمارًا لكل حدث في البناء والتنمية. ومن خلال هاتين الدعامتين تنضج الدعامة الثالثة، وهي الوصول إلى حد الكمال والتمام الممكن في حدود الظروف والوسع الذي تستطيعه نفوس البنات. فإذا تبدلت الظروف أو اتسعت القدرة، تبدل معها مستوى الكمال المطلوب، ارتقاءٍ وتزكية وتحسينًا.

وبذلك يبقى فعل التربية حاضرًا في حياة الإنسان، مستمرًا معه ما دام مستمرًا في ارتقائه ونمائه. وهذا يرسّخ قاعدة أساسية من قواعد التربية المثمرة الناجحة المقبولة عند الله جل في علاه، وهي أن التربية عملية مستمرة لا تتوقف ولا تتعلق بعمر معين، بل تبدأ منذ أول فرصة الوجود، بقصد النماء والتنمية والتزكية والإثمار، وتستمر ما دام الإنسان فاعلًا متفاعلًا مع دنياه؛ فقد بُدأ بتربيته منذ صغره ممن استأمنهم الله على هذا الثغر، ثم تستمر بعد ذلك في تربية الإنسان لنفسه بنفسه وتزكيته لها. وهذا يقتضي أن تكون المربيات اللواتي استُؤمنّ على هذا الثغر واعياتٍ بهذه الدعائم، فاهماتٍ لأسسها، عاملاتٍ بها في منهجهن التربوي. فالتربية التي تنطلق من هذا الفهم تتجاوز مفهوم التربية الآمرة المجردة، إلى تربيةٍ تسعى إلى بناء النفس بناءً سويًا، والارتقاء بالمتربيات نحو الكمال الذي تستطيعه نفوسهن، حالًا بعد حال، ابتغاء وجه الله تعالى.

ثم يأتي تعريف ابن فارس في معجم مقاييس اللغة، لتكتمل حلقة أخرى في سعينا لضبط مفهوم التربية الناجحة، فقال: “الرَّاءُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى إِصْلَاحِ الشَّيْءِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ. يُقَالُ: رَبَبْتُ الشَّيْءَ أَرُبُّهُ رَبًّا إِذَا أَصْلَحْتَهُ وَقُمْتَ عَلَيْهِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الرَّبُّ: الْمَالِكُ، وَالسَّيِّدُ، وَالْمُدَبِّرُ، وَالْمُرَبِّي.”(٢). ومن هذا المعنى اللغوي يمكن أن نضيف دعامة أخرى من دعامات التربية الناجحة، وهي قدرتها على الإصلاح،؛ إذ أن التربية تحمل في جوهرها القدرة على إصلاح ما يفسد من أحوال المتربيات عبر سنين التربية المستمرة. فالتربية ليست عصًا سحرية تضمن بقاء الحال على ما بدأ عليه به من الخير، وإنما هي في أساسها تعين في إبقاء جذوة الإصلاح حيّة عاملة، ويتم ذلك في اتجاهين:

الأول: أنه تملك المربيات القدرة على الرؤية العامة لأحوال المتربيات، وملاحظة أي خلل في بنائهنّ النفسي أو القيمي أو الأخلاقي، ثم العمل على إصلاح ما فسد، وإعانتهنّ على إعادة بناء ما هُدم، مع مراعاة دعامات النماء والتدرج والسعي نحو الكمال الذي تستطيعه نفوسهن.

الثاني: من جهة المتربيات أنفسهنّ؛ إذ ينبغي أن يدركنّ أن الدنيا وجواذبها قد تُفسد في أحيان كثيرة بعض مما بنينه في أنفسهنّ، وأن عليهنّ أن يعملن على إصلاح ما فسد، وإعادة النفس إلى جادة الصواب مرة بعد أخرى. وهنا نفهم الدعاء الدائم المتكرر في كل ركعة من الصلاة: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰ⁠طَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾ [الفاتحة ٦]، فالهداية ليست عملًا يقع مرة واحدة، وإنما هي رحلة عمر مستمرة، لا تنفك فيها النفس تعمل على نفسها لتثبت على طريق الهداية.

والقرآن الكريم يذكّر النفوس دائمًا أن مسؤولية النجاة والثبات على طريق الهداية هي مسؤولية شخصية، سيُسأل عنها الإنسان وحده أمام الله تبارك وتعالى. فالمربيات إنما تقع عليهن مسؤولية تهيئة الظروف المواتية لبناء نفوس المتربيات على الوحي؛ فيعلّمن ويذكّرن ويرشدن ويبلّغن وفق ما أمر الله تعالى، وأرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم. أما الطاعة للأمر والاجتناب للنهي فهما في النهاية خيار شخصي من المتربية نفسها، وهو ما ستُسأل عنه وحدها بين يدي الله تعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُّهُمۡ ءَاتِیهِ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فَرۡدًا﴾ [مريم ٩٥]، وهذا يبيّن أساسًا مهمًا من أسس التربية الناجحة، وهو أن موضع الاستجابة الحقيقية إنما هو في نفس المتربية؛ فامتثالها للأمر أو تركها له نابع من قرار تتخذه هي، مع علمها أنها ستُسأل عنه أمام ربها جل في علاه.

كما أن الوحي في بناءه لأسس التربية الناجحة -التي إن التزمت بها المربيات أعطت نتائجها المرجوة على المدى القريب والبعيد- يبيّن أن التربية لا تقوم على إعطاء الأوامر وتحديد النواهي فحسب، بل يستخدم القرآن الكريم أساليب متعددة في إيصال المعاني إلى المتربيات، فالقرآن الكريم يضرب الأمثال، ويعرض القصص القرآني، ويستخدم مبدأ الحوار وإثارة الأسئلة، ويستعمل أسلوب الترغيب والترهيب، وهذه أساليب واسعة المدى في استخدامها التربوي، وتمنح المربيات مساحات كبيرة من القدرة على إيصال الفكرة التي يردن ترسيخها دون الحاجة إلى التصريح المباشر بالأمر أو النهي.

فمثلًا، إذا أرادت المربية أن تشير إلى أهمية الكف عن الجدال بلا داعٍ، فيمكنها أن تتدبر مع المتربيات قصة البقرة في سورة البقرة، وكيف كان جدال في غير موضعه سببًا في تضييق الأمر على بني إسرائيل، وقسوة قلوبهم عن الحق بعدها. في مقابل قصة إبراهيم عليه السلام حين حاجّ النمرود، وكيف استعان لذلك بحجة واضحة ومهارات المحاجة في الحق. وعندها تدرك المتربيات أسس الجدال المقبول وحدوده، دون أن تنطق المربية بأمر مباشر بالكف أو المنع؛ إذ يكون البناء قد قام على أساس من الفهم والوعي: متى نجادل؟ ومع من؟ ولأي سبب؟ وكيف نمتلك الحجة؟ وكيف ننطلق من الوحي في كل ذلك؟ وهذا كله يرسخ المعنى المراد في النفوس على نحو أعمق مما قد يحدث لو اقتصر التوجيه على الأوامر والنواهي المباشرة، حيث قد يتحول الأمر حينئذ إلى مجرد صراع في الإقناع والذي قد لا يثمر نتيجة واضحة.

والنبي صلى الله عليه وسلم في تربيته لأصحابه رضي الله عنهم، استخدم أساليب تربوية متعددة يمكن للمربيات أن يتعلمنها ويستعنّ بها في إيصال ما يردن ترسيخه لدى المتربيات، دون أن تقتصر علاقتهن بهنّ على الأوامر المباشرة. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد التنبيه إلى بعض السلوكات الخاطئة، يستخدم أسلوب الخطاب غير المباشر، ففي الحديث الذي رواه البخاري: (( صَنَعَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيئًا تَرَخَّصَ فِيهِ، وتَنَزَّهَ عنْه قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذلكَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى عليه ثُمَّ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أصْنَعُهُ، فَواللَّهِ إنِّي أعْلَمُهُمْ باللَّهِ وأَشَدُّهُمْ له خَشْيَةً))، فعبارة “ما بال أقوام” وما يشبهها تُعد أسلوبًا تربويًا بالغ الحكمة نتعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يخفف من حدة المواقف التربوية حين نريد إيصال رسالة ما أو تصحيح سلوك محدد، دون الحاجة إلى توجيه خطاب مباشر قد يسبب إعراض المتربيات عن تلقيه أو الاستجابة له. ولهذا الأسلوب تطبيقات تربوية كثيرة، يمكن للمربيات الإفادة منها في المواقف التربوية المختلفة.

ومن أهم الأسس التربوية التي يؤسسها الوحي في تربية ناجحة لا تختزل في الأوامر، أنه يعيد الإنسان إلى المصدر المرجعي الذي ينبغي أن ينطلق منه في بناء فكره وتصوراته وفهمه لنفسه وعلاقاته بالآخرين والدنيا من حوله، وهو مرجعية الوحي. فالوحي يطلب منا بأمر مباشر أن نعود له في بناء فهمنا أولًا وسلوكنا ثانيًا، ويبين لنا أنه إذا وقع الخلاف بيننا في أمر من الأمور، فإن المرجع الأول الذي نعود إليه في طلب الحل هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء ٥٩]. وبناء على ذلك، إذا أرادت المربيات تعليم المتربيات فكرة أو قيمة أو خلقًا ما، أو أردن الإجابة عن سؤال من أسئلتهنّ، أو بناء مفهوم لديهنّ بناء سويًا متوازنًا، فإنهن يعدن معهن إلى الوحي، ويبحثن فيه عن أصل المسألة وموقف الوحي منها، ثم بعد ذلك إن دعت الحاجة يمكن الاستعانة بمصادر أخرى في جانب التطبيق وغيره.

وهذه الاستراتيجية في العودة إلى الوحي، تعين في اتجاهين:

الأول: أنها تربي البنات على أهمية الرجوع إلى الوحي، لأنه الأساس و المرجع الأول الذي ينبغي أن يُبدأ به.

الثاني: أن الوحي يقدّم الإجابة الصحيحة المنضبطة البعيدة عن أهواء البشر وتقلباتهم. فمثلًا في تربية بناتنا على الصلاة، بدلًا من الدخول في صراع يومي قائم على الأمر بها ومتابعة تنفيذها، يمكن للمربيات أن يبحثن مع بناتهن في القرآن الكريم عن الآيات المتعلقة بالصلاة، وبناء مفهوم متكامل عنها؛ ليعرفنّ ماذا قال الله تعالى عنها؟ ولماذا شُرعت؟ وما علاقتها ببناء الصلة بالله تعالى؟ وكيف تعين على تزكية النفس؟ وبعد هذا البحث سيكون الالتزام بها أكثر كونه قد تم بعد علم ومعرفة من كتاب الله تعالى، وحتى لو اضطرت المربيات لاحقًا إلى التذكير بالصلاة مرة بعد أخرى، فإن الوازع للالتزام لدى البنات سيكون مختلفًا؛ لأنّ ما كونه من المعرفة المستمدة من الوحي عن الموضوع سيعين على تثبيت الالتزام، وسيجعل التذكير مؤثرًا أكثر حين يقع.

وقد يقول قائل، إن في دنيا بناتنا أمورًا كثيرة لم يرد ذكرها في الوحي، فكيف نعود إليه فيها؟ فنقول أن الله عز وجل قال: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل ٨٩]، فالقرآن قد جاء تبيانًا لكل شيء؛ وقد لا نجد المسألة التي نبحث عنها باسمها المعاصر أو بنصها المباشر، ولكننا نجد في القرآن المعايير العامة التي تعين على التعامل معها. وهنا تحتاج المربيات إلى جهد مقصود في البحث في الوحي، ليهديهنّ الله تعالى بفضله إلى الأصل القرآني الذي يفيدهن في حاجتهن التربوية. فمثلًا؛ حين تناقش المربيات مع الفتيات موضوع (الموضة) وأثر السير عليها على صحة اللباس ووضوح الهوية الإيمانية؛ فإنهن لا يرجعن إلى القرآن ليجدنه يتحدث عن الموضة باسمها المعاصرهذا، وإنما يمكنهنّ الرجوع إلى آيات الاتباع بمشتقاتها المختلفة في القرآن الكريم، ليعرفنّ: من الذين يمكننا أن نتبعهم؟ ومن الذين نهانا الشرع عن اتباعهم؟ وما الآثار السلبية للاتباع والتقليد الأعمى في الدنيا والآخرة؟ وكيف أسس القرآن لبناء هوية إيمانية واضحة؟ وهكذا في كل مسألة نحتاجها لتربية بناتنا. وهذا يقود إلى تربية قائمة على الفهم عن الله تعالى في كتابه، وبناء الدافع المتين المنطلق من العبادة لله تعالى في توجيه سلوك البنات، والتزامهنّ بالنصائح والأوامر المختلفة التي تقدم لهم في عملية التربية.

فليست المشكلة في وجود الأوامر في التربية، فهي في الحقيقة جزء مهم منها، ولكن المشكلة حين تختزل التربية كلها في الأمر المباشر، فيغيب البناء الذي يجعل الإنسان يعمل طاعة لله حتى في غياب من يأمره. بينما الاستعانة بمعينات الوحي التي ناقشناها يعين على الوصول إلى تربية ناجحة تحقق المقصود منها، وتترك أثرًا باقيًا في نفوس بناتنا، يدفعهنّ إلى حسن العمل وضبط السلوكات، سواء كنا معهنّ أم غبنا عنهن، ما دام البناء النفسي التربوي القائم على مراقبة الله تعالى والحياء منه -والذي سعينا إلى بنائه من خلال دعائم التربية- باقٍ معهن، حيًا قويًا في قلوبهنّ. والله الموفق الهادي سبحانه جل في علاه.

بقلم د. رنا حصوة

مدرِّبة وباحثة في التربية القيمية المنطلِقة من الوحي


1. الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، جذر (ربب).
2. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج2.

شارك هذه المادة
ترك التعليق